المقريزي
162
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
كان في سنة ثمان وعشرين وستّ مائة ، خاف السّلطان الملك الكامل / محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب من تباعد البحر عن العمران بمصر ، فاهتمّ بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التّمر الفاضلية ، وعمل فيه بنفسه ، فوافقه على العمل في ذلك الجمّ الغفير ، واستوى في المساعدة السّوقة والأمير ، وقسّط مكان الحفر على الدّور التي « a » بالقاهرة ومصر والرّوضة بالقياس « b » . فاستمرّ العمل فيه من مستهلّ شعبان إلى سلخ شوّال مدّة ثلاثة أشهر ، حتى صار الماء يحيط بالمقياس وجزيرة الرّوضة دائما بعد ما كان عند الزّيادة يصير جدولا رقيقا في ذيل الرّوضة ، فإذا اتّصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر . فلمّا كانت أيّام الملك الصّالح ، وعمّر قلعة الرّوضة ، أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرا فيما دار بالرّوضة ، فأخذ في الاهتمام بذلك ، وغرّق عدّة مراكب مملوءة بالحجارة في برّ الجيزة - تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر ومن قبلي جزيرة الرّوضة - فانعكس الماء ، وعمل البحر من حينئذ قليلا قليلا ، وتكاثف أوّلا فأوّلا وقطع كثيرا من برّ مصر « c » من دار الملك إلى قريب المقس ، وقطع المنشأة الفاضلية . قال ابن المتوّج عن موضع الجامع الجديد : وكان في الدّولة الصّالحية - يعني الملك الصّالح نجم الدين أيّوب - رملة تمرّغ النّاس فيها الدّوابّ في زمن احتراق النّيل وجفاف البحر الذي هو أمامها ؛ فلمّا عمّر السّلطان الملك الصّالح قلعة الجزيرة ؛ وصار في كلّ سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه ويطرح بعض رمله في هذه البقعة ، شرع خواصّ السّلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر « 1 » . فذكر من عمّر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزّيّة ، وذكر ما وراء هذه الدّور من بستان العالمة المطلّ عليه الجامع الجديد وغيره ، ثم قال : وإنّما عرف بالعالمة لأنّه كان قد حلّه السّلطان الملك الصّالح لهذه العالمة ، فعمّرت بجانبه منظرة لها ، وكان الماء يدخل من النّيل لباب المنظرة المذكورة ، فلمّا توفّيت بقي البستان مدّة في يد ورثتها ثم أخذ منهم « 2 » .
--> ( a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : والمقياس . ( c ) العبارة في بولاق : وجعل البحر حينئذ يمر قليلا قليلا ، وتكاثر أولا فأولا في بر مصر . ( 1 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 77 . ( 2 ) نفسه 4 : 30 - 31 .